* أحمد هلالي أخيرا يسقط الملاك من فوق شجرة الحياة مثل ورقة خريف. بينما يبقى أدبه شامخا مثل صفصافة بين قرائه و أحبته في كل مكان، و كل من يعشق الكتابة و يكتوي بجمرها. هكذا تشاء الأقدار، الموت دائما الأقوى، أقوى من جميع الحيل التي يبتكرها الإنسان في محاولة يائسة لدحره. حقا إن الإبداع قادر على دحر الموت ، ألم يفكر الفراعنة في دحر الموت فحنطوا ملوكهم و بنو لهم الأهرامات الشامخة. أما شكري الفتى الطنجي فقد بنا هرمه العظيم بنفسه، بناه من الكلمات الجميلة ، بخياله المتوقد ، بإبداعه الجميل و سيرته الحياتية المتفردة في الأرض. كان محمد شكري ناطقا فصيحا باسم الهامش المغربي المسحوق تحت عجلة الوقت. عاش بالكتابة و للكتابة، أحرق فتيل روحه في محرابها متعبدا ، مغامرا في مجاهلها السحيقة. أبدع و أمتع ملايين القراء على اختلاف جنسياتهم و لغاتهم، ناقلا إليهم سحر الهامش الطنجاوي / المغربي وبؤسه و معاناته بحرفية و خبرة المبدع العارف بأحوال الكتابة دون أن يسقط في ركاكة التجريب و اللغة القيصرية الخالية من اللذة. قصصه تحكي بلغة شعبية ساحرة تغوص في أعماق المجتمع دون أن تتملص من الواقع المرير الذي يثقل كاهل العامة المسحوقة. إن الكتابة عند شكري ليست سلوكا ترفيهيا كما يفعل بعض الكتاب الأغنياء، بل احتراق يومي في لهيب الألم بعيدا عن الوصف الحيادي و التصوير الجاف. يكتب بلغة مبدعة و خلاقة تتجاوز الواقع لتضيف إليه قدرا من الخيال الضروري لكل نص أصيل. قصصه لا أثر فيها لأدوات الجراحة و التجميل، إنها قصص عفوية تحكي بقدر كبير من المعاناة و الحب صعوبة الحياة و شظفها في الهامش المغربي. تحكي كل شيء : الفرح و الحزن ، الحب و الألم ، كل ذلك بحرفية فنان يبدع في تحويل القبيح إلى جميل و المعقد إلى بسيط. رغم التحاقه متأخرا بالمدرسة ( 20 سنة ) فإن محمد شكري استطاع أن ينجز في وقت قصير ما ينجزه الناس في مدة طويلة. لقد اختصر الزمن و ركزه لكي يعوض ما فاته من فرص الحياة . دخل المدرسة فتعلم ، ثم دخل مركز تكوين المعلمين فتخرج معلما ، ثم استقال من مهنة التعليم ليتفرغ للكتابة على شاكلة الكتاب الكبار، الشيء الذي طالما حلم به. و أصبح بذلك أول كاتب مغربي بأكل رغيف يومه من دخل قلمه.، لأن أغلب الكتاب المغاربة و العرب يزاولون الكتابة إلى جانب و وظيفتهم الأصلية. من بني شكري إلى طنجة و من طنجة إلى العالمية ، هو ذا الطريق الشاق الذي سلكه شكري من غير كلل أو تراجع. الشاب الفقير المرفوض من طرف المجتمع ، السكير المتشرد الذي يهرب السجائر، و ينام في الشوارع ، يقتات من علب القمامة مثل قط ، صار كاتبا عالميا يحسب له ألف حساب ، و تتسابق المنابر الإعلامية على كلماته و يتبارى الظلاميون و المتزمتون على تحقيره و تسفيهه. سيزيف المغربي حمل صخرة الحياة من أسفل المجتمع إلى أعلاه، من هامشه إلى متنه. ظل محمد شكري يكد و يجتهد ، منعزلا في بيته يستقطر قريحته نصوصا رائعة. يصر شكري على تسمية نفسه بالكاتب الطنجاوي لأن مدينة طنجة بليلها الموغل في العبثية و عوالمها المليئة بالمومسات و السكارى و المتشردين في الحانات تشكل لحمة أعماله ، بل حياته. كان شكري يكتب بحرارة فائقة ، لا شيء ممنوع لديه و لا خطوط حمراء في طريقه، الشيء الذي جعل القراء ينقسمون بين مؤيد لكتاباته باعتبارها تجسد الواقع بحذافيره دون رتوش أو أصباغ ، و بين مناهض لها باعتبارها كتابات إباحية ، ماجنة و مبتذلة تتخذ من الجنس الرخيص و الوصف الخليع للمشاهد الجنسية مطية للوصول للشهرة. و فيما انقسم الناس حول كتاباته ، كان شكري و منذ عمله الأول يعمل بجد ليطور تجربته متجاهلا تلك الانتقادات . كتب بصدق أغضب الكثيرين ، فقط لأنه يضع أصبع النقد على الجرح المغربي . محمد شكري يمثل كاتبا استثنائيا في الزمن المغربي و العربي المعطوب. انتقد كل من يستحق ذلك ، حتى محمود درويش و الطاهر بن جلون لم يسلموا من قلمه... كان يقول رأيه دون حذلقة أو تجمل.
سيزيف المغربي :شكري حمل صخرة الحياةمن أسفل
المجتمع إلى أعلاه و من هامشه إلى متنه.
مات شكري الجسد و بقي شكري النص الجميل حيا بين عشاقه في أرجاء العالم . الموت يوقع الشحرور الأبيض في شباكه رغم غواياته المتعددة و دربته في هندسة الجمال الأبهى. أهكذا تكون النهاية ، ترتفع الروح إلى حيث لا ندري و يبقى الجسد هامدا ، باردا مثل حجر مهمل تضمه الأرض إليها، بل تستعيده بعد انفلاته منها إلى حين؟ هكذا في صمت مريب يخرج من عشه الأبهى إلى العدم ، عفوا إلى الخلود. يأتي الموت من حيث لا تدري أحلام الحياة فيستل خيط الوجود و يطير مثل نسر؟؟؟ أهكذا يرحل الشحرور الأبيض عالمنا المعطوب تاركا خيمة إبداعه مليئة بالأحبة و القصص الجميلة.
الخميس, 14 سبتمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية










من المغرب
أخي أحمد هلالي
أشكرك على هذا المقال المفيد الذي يعرفنا بالكاتب الظاهرة محمد شكري
لك مني التقدير والإحترام وسنواصل الحوار.والسلام.