" لا تنتظريني هذا المساء فالليل أبيض و أسود " ولد جيرار لابروني Gérard Labrunie يوم 22 ماي 1808 في جادة سان مارتان Saint Martin بالعاصمة الفرنسية باريس. كان أبوه طبيبا مساعدا في جيش نابليون بونابرت ( أيام انتصاراته العظمى ) (1). أمه كانت ابنة بائع أقمشة في شارع كوكيير Coquillaire. و بعد مرور زمن طويل على زواجهما اضطرت الظروف الطبيب لابروني لمغادرة بيته و العيش في صفوف جيش نابليون في ساحة المعارك، و من ثمة كان على مدام لابروني أن ترافق زوجها لأنهما كانا حديثا الزواج. و لأنها أيضا كانت تحبه بجنون و لم تكن مستعدة لتفترق عنه. أما الطفل جيرار فقد أوكلت مهمة تربيته (2) لمربية في منطقة فالوا Valois (3) قرب مورت فونتين Morte-fontaine حيث كان يعيش عم أمه. كان الأب الدكتور لابروني مشرفا على مستشفى كوكلو Goglau في سيليزيا Silésie(4). في نفس السنة أصيبت زوجته، ذات الخمسة و العشرين ربيعا، بحمى شديدة بعد عبورها لجسر مليء بجثث القتلى المتعفنة، الشيء الذي أدى إلى وفاتها. تم دفنها بعيدا عن مسقط رأسها في المقبرة الكاثوليكية البولونية في غروس كوكلو Gross – goglau. " لم أر أمي قط " هذا ما قاله نرفال ، ثم أضاف :" أعرف فقط أنها تشبه لوحة La modestie (5)، وتمثل هذه اللوحة امرأة شابة و جميلة بعيون ناعسة و أنف رائع، فمها صغير مرسوم بعناية فائقة. هذه المرأة /الأم الجميلة و الهشة لم تصمد أمام آلام الحرب بعد أن دفع بها جنون الحب لمرافقة زوجها في جحيم الحرب، جحيم أحمر؛ أبيض و أسود. ظل الأب الطبيب يختزن ألم الفراق و جرح زوجته في طيات نفسه العميقة طوال حياته، بينما ظل جيرار يبحث عن أمه في وجوه النساء اللواتي كان يبدعهن بدون كلل أو ملل. نساء الأساطير و الأحلام الجميلة، اللواتي كن قريبات دوما من العدم و الموت. كان جيرار طفل صغير، هادئ و مهذب،. أهتم في سنه المبكرة بالتاريخ؛ بأسماء الأماكن؛ بغرائبية الأسماء الشخصية و الجينيالوجيا(6). كان كثير الحب لأبيه، الذي كان يستمع و لو بغير اهتمام لرواياته التي كان يدبجها حول فضاءات مسقط رأسه فالوا. الأب لابروني لم يكن حلمه سوى أن يصير ابنه طبيبا مثله. لكن جيرار كان يحلم بأشياء أخرى، فما بين ثانوية شارلمان Charlemagne حيث كان يتابع دروسه و مورت فونتين Mortefontaine (7) حيث كان يقضي عطلاته المدرسية؛ كان جيرار يبدع "جغرافيات سحرية"و يخلق فتيات شابات من الورد و يسر إليهن بما تختزن ذاته من أشواق و كلام عن الحب. بعد إنهائه لدروسه بثانوية شارلمان حيث كان زميله في الدراسة تيوفيل غوتيي Théophile Gautier(8)؛ قام بنشر بعض من أشعاره الوطنية الحماسية " مراثي وطنية"(9)؛ غبر أن أهم عمل نشره نرفال في تلك الفترة العمرية تلك الترجمة الرائعة التي قام بها لمؤلف غوته Goethe (10)فاوست Faust. كما أتيحت فرصة للتعرف على شاعر فرنسا الكبير فيكتور هيكو V. Hugo(11). بدأ جيرار يتردد على جماعة " شباب فرنسا " بمعية صديقيه تيوفيل غوتيي و بيتروس بوريل. حدث مرة أن قضى جيرار ليلته في سجن سان بيلاجي Saint Pélagie بتهمة الإخلال بالنظام العام و إحداث الضوضاء. تظاهر جيرار بكونه يتمنى أن يصير طبيبا، فسجل اسمه في كلية الطب؛ لكنه سرعان ما قرر أن يصير كاتبا ، كاتبا حقيقيا. اختار لنفسه اسما مستعارا " جيرار دو نرفال ". و نرفال اسم حقل في ملك جده قرب مورت فونتين. و الاسم هو تحريف لكلمة " noir – val "نسبة للأخشاب التي تحيط بالحقل على شكل سياج. و في سن العشرين أصبح جيرار شابا يافعا ذو جمال جذاب و حسن فتان أقرب إلى جمال النساء. " شعره أشقر ناعم شبيه بسحابة ذهب، ملتف حول وجهه الهادئ ذو الصفاء الملائكي ، وجنتيه محمرتين مثل فتاة في مقتبل العمر " هكذا وصفه صديقه في الدراسة تيوفيل غوتييه في إحدى مقالاته. جسمه قصير تبدو عليه صحة حديدية. وخلال انتشار وباء الكوليرا سنة 1832 كان يرافق أباه كثيرا في مهماته الطبية، حيث كان الأب لا يزال يحلم بأن يصير ابنه طبيبا مثله. لكن و على عكس آمال الدكتور لابروني ، و بعيدا أيضا عن السياسة و الطب كان الابن شديد الاهتمام بالمسرح و الأدب عموما. ذات مساء من سنة 1833 و في مسرح فارييتي Variétés استمتع جيرا ر بحضوره لسوبرانو(12) شابة تغني و ترقص، اسمها جيني كولون Jenny Colon . السوبرانو كانت ذات وجه رائع و فتَّان؛ بخدين مستديرين؛ ملامحها طفولية تشي بالهدوء و البراءة؛ فمها رخو؛ كل هذا يدفع الاهتمام عن فستانها الطويل و عينيها الصغيرتين جدا. أقدامها صغيرة و شبيهة بأقدام النساء اللواتي كان يرسمهن روبانز(13) Rubens في لوحاته التشكيلية الجميلة . و كانت نسوة روبانز تمثلن مثال الجمال الذي يحلم به نرفال. أما الممثلة جيني فكانت فتاة شابة و طرية، استطاعت ببساطتها و جمالها أن تسحر جيرار و تظهر له بمثابة المثال، بل تلك المرأة المثالية التي ستتحقق معها كل أحلامه المسرحية و الشعرية و العاطفية. راح جيرار بعد تلك الأمسية التي رأى فيها جيني كولون؛ و هي تغني و ترقص مثل ملاك؛ يحلم بأن يكتب كوميديا غنائية لهل خصيصا، و أن يستمتع و يسعد و هو يراها تؤدي عمله هذا فوق خشبة المسرح. غير أنه سرعان ما غير خططه و قرر أن يصدر مجلة مختصة في المسرح مستثمرا في ذلك ما ورث من مال عن جده، وسيخصص عددها الأول بكامله لجيني كولون. بعد أن سافر إلى إيطاليا عاد ليفتتح مكاتب مجلته " العالم الدرامي " Le monde dramatique "" بباريس و ذلك قرب مبنى البورصة. وبهذا كان يأمل أن يضرب عصفورين بحجر و احد، أن يشبع نهمه للمسرح بإصداره المجلة الأولى المختصة في المسرح والتقرب من معبودته جيني و التي لم يكن قد تجرأ على الاقتراب منها. بل كان يكتفي بمراقبة حركاتها عن بعد و التملي بقدها الجميل و حسنها السالب للألباب. استقر جيرار بمنزل فخم قرب متحف اللوفر 14) و خلافا لما كان يحلم به الأب، بدأ جيرار يتعاطى لحياة السهر و الترف و التردد على النوادي الليلية حيث الخمر و النساء و الأصدقاء. ينفق ماديه من أموال في شرب كؤوس الشامبانيا. اختار جيرار و حسب ما يملي " قانون الحياة البوهمية " " حياة الجماعة " هو و عدد من أصدقائه: ( كامل روجيي و الفنان شونافارد ). و في إحدى المرات ترك الحفل قائما في بيته، لبس قبعته ثم ذهــب للقاء مايير بايير Mayer Beer غرض كتابة نص أوثيرا على شرف محبوبته المملة جيني كولون. غير أنه و قبل أن يغادر الحفل ارتمت بين أحضانه فتاة حســــناء تبحث عن رجل ينسيها ذكريات قصة عاطفية خرجت منها للتو. ساعتها اعتــقد الأصدقاء أن جيرار سيغرق مع هذه الحسناء في بحر الغرام. و على العكس مما اعتقده الأصدقاء، كانت روح جيرار مسكونة بصورة حبيبته جيني. بل إن خيالها كان يسيطر عليه تماما، فترك الفتاة المجروحة لشخص آخر ليتكفل بها و توجه إلى موعده تاركا الأصدقاء مفغوري الأفواه. كان جيرار يرفض الارتماء في أحضان الشهوات و الرغبات و الملـــذات الرخيصة و الدنيئة، و يتمسك في مقابل ذلك بمثاله في الجمال جيني. ظل يجري وراء نجمه المضيء في الأفق البعيد حتى في الأوقات المرة؛ ممنيا نفسه العطشانة للحب بالوصال و اللقاء رغم التمنع الكبير الذي أبدته تجاهه. لم تلقى مجلة " العالم الدرامي " أي اهتمام لدى القراء، و كان جيرار قد استثمر فيها مبلغا مهما من أمواله. بل أن أرقام مبيعات المجلة كانت هزيلة جدا مما دفع به إلى التخلص منها بأثمان بخسة. ونتيجة لحياة الترف و السهر التي كان يعيشها و خسرانه في مشروع المجلة بدأ ثروة جيرار تتقلص و تتآكل، فاضطر لتغيير إقامته الفخمة و المريحة بأخرى أقل تكلفة لكن اقل راحة؛ و ذلك قبل أن يقبل على مضض استضافته من طرف صديقه تيوفيل غوتييه في منزله. تحت ضغط الحياة اليومية و مصاريفها اضطر جيرار للتعامل مع (15) Alexandre Damus فصار خادمه المطيع؛ يكتب له المسرحيات و المقالات. حيث كتب بشغف كبير مسرحية بيكييو Piquillo مشتغلا عليها بشكل يجعل الدور الأساسي فيها منسجما و ملائما لحبيبته جيني. و عند عرض مسرحية في أمسيات أكتوبر 1837 كان جيرار ممتلئا بالسعادة و الفرح، ليس لأن المسرحية لاقت نجاحا كبيرا و لكن لأن حبيبته جيني كانت تنظر إلى كاتبها بنظرة الإعجاب و الامتنان و الاعتراف بالجميل. هل اعترف لهل بحبه تلك الأمسية ؟ طبعا لا، لأنه كان يكتب لها في شأن ذلك رسائل مفعمة بالحب و الأشواق دون أن يجرأ على بعثها لها: (... تعرفين أنني عاجز عن الكلام أمامك... نظرتك إلي هي ألطف و أفظع ما يوجد في الكون... انكي تملكين السلطة الكاملة علي،بل إني في حضورك لا أستطيع التعبير عن حبي لك إلا بشكل باهت ). كانت جيني كولون فتاة في السادسة عشر من عمرها، تشتغل بإحدى العلب الليلية الباريسية. و عندما بلغت سن العشرين تزوجت من الممثل La font أثناء جولة لهما بانجلترا. سرعان ما انفصلت عنه و تزوجت من موظف هولندي يعمل بالبنك و ذلك بعد تجربة غرامية دامت طويلا. استمرت جيني في التمثيل حتى بلغت مكانة مهمة و متميزة بين فناني عصرها، خصوصا أولئك الذين يؤدون الأدوار الغنائية في المسرح. إن الإحاطة بأحاسيس جيني كولون تجاه نرفال أمر صعب للغاية، غير أن ما يمكن الجزم فيه هو أنها لا تحبه بجنون. كان سلوكها تجاهه يبدو له غريبا، هو الشبيه بفارس من العصور الوسطى أكثر من شخص متمرس بكواليس المسرح. و حينما دقت ساعة الفراق، كان السبب بسيطا، طردته من الباب لكونه دفق كأسا من النبيذ فوق ثيابها بعد أن صدمها بمنكبه دون سابق إصرار. تزوجت جيني بعد ذلك من عازف ناي، و توفيت عن سن يناهز 34 سنة، تاركة جيرار يغوص في عالم الأحلام و الأوهام. هكذا ظل حلم جيرار بإقامة علاقة بمن أحب قلبه و اكتوى بغرامها أمر دونه خرط القتاد. بعد وفاة جيني كولون قام جيرار بجولة في ألمانيا، كتب بعدها عملا دراميا بعنوان Léo bukart و الذي أخرج على خشبة المسرح سنة 1839 بمسرح La Porte Saint-Martin. ثم كتب بالتعـــاون مع الكســاندر داماس مسرحـــــية " الكيميائي" غاص بعدها في دوائر الأدب و الصحافة. و في محاولة منه استرجاع ثقة أبيه قام جيرار برحلات دراسية للنمسا و بلجيكا بتمويل من حكومة Louis Philipe (16). كان يكتب لأبيه رسائل يضخم فيها أهمية رحلاته الدراسية و أهدافها... لكن ذلك لم ينفع مع الدكتور لابروني ذو القلب القاسي و العقلية الضيّقة. التقى جيرار أثناء وجوده بفيينا الملحن النمساوي Liszt و عازفة البيانو Marie Pleyel زوجة الملحن النمساوي Camille Pleyel. أخذ يتردد على الأوساط الاجتماعية الراقية باحثا عن تلك الحرارة الإنسانية التي عانى في تذوقها إبان فترة البوهمية في باريس... استمر جيرار في كبريائه و جنونه و هذيانه... و لكثرة إعجابه بشخصية دوقة أورليان Orléans ( ابنة زوجة لويس فيليب، أميرة ميك لومبورغ Meck Lambourg )، زعم في إحدى أيام سنة 1841 كونه الأب الحقيقي لكونت باريس ( ابن الدوقة ذو السنتين من عمره...). كما أنه زعم بأن الدوقة هي أخته، الشيء الذي يذكر بجغرافيات الجنون و الهذيان التي كان يبدعها عندما كان في المرحلة الثانوية. و خصوصا تلك الشجرة العائلية التي رسمها و جعل فيها من نفسه أميرا لأكيتان Aquitaine. و من بين صيحاته في عالم الجنون و الهذيان اعتقاده أن كنزا مخبئا في حديقة اللكسمبورغ، و أن في أحواض الحديقة أسمــاكا عمرهــا مئات السنين تكلمه عندما يمر من هناك. هذا الجــنون و الهذيان و المهاترات التي عرف بها جيرار ستنتهي به للمرة الثانية في المصحة العقلية و ذلك في شهر مارس من سنة 1841 حينما قاده أصدقاؤه لمصحة الطبيب Esprit Blanche في مونتمارتر. كانت إقامة جيرار في هذا المستشفى على أحسن ما يرام، غير أن ما عكَّر صفو إقامته هناك، مقال نشره أحد أصدقائه على صفحات جريدة باريسية أعلن فيه مرضه للعموم؛ بينما كان يأمل أن يظل خبر مرضه قيد السّرية. هكذا و بينما كان جيرار يرقد في المستشفى انفضَّ أصدقاؤه من حوله، حتى أبوه رفض أن يزور ابنه المريض في المصحة و اكتفى بالتعليق: ( على الذين قادوه إلى ذلك المكان أن يخرجوه منه). عرفت فرنسا يوم 8 ماي 1842 حادث قطار مروّع ذهب ضحيته 150 راكبا؛ حدث ذلك في بيل في Belle Vue؛ حيث انتقلت النار من عربات الفحم إلى عربات الخشب الشيء الذي أدى إلى احتراق القطار و عدد من ركابه. تأثر جيرار كثيرا بهذا الحادث و أبدى تعاطفا كبيرا مع ضحاياه، بل أكد أنه يكـــره و يمقت السكك الحديدية و القطارات. و في نفس السنة علم بوفاة المرأة التي كان يكن لها الكثير من الحب، الممثلة الحسناء جيني كولون. هذه الوفاة زادته تعلقا بمثاله في الجمال. بعد خروجه من المستشفى، غادر إلى الشرق مع مستشرق شاب اسمه Joseph Fonfrède و كان ذلك سنة 1843. كان جيرار مرتبطا بالألوان المحلية أكثر من ارتباطه بغرائب العوالم البائدة. فهو يرى أن تقاليد المدن الموجودة حاليا أكثر مدعاة للفضول من بقايا المدن الميتة. أثارت القاهرة فضوله و رغبته في الإطلاع على عوالم الشرق، ( ... إنها مدينة يستحيل سبر أغوارها خلال سنة واحدة). كما و صف دخوله للقسطنطينية عبر مينائها كأجمل مشهد يمكن أن تراه العين. و شبه ضفاف البوسفور بشارع كبير في أجمل قصور العالم و أكثرها تطريزًا. و إذا كانت البازارات و المساجد و الساحات لم تثير جيرار و تفتنه فإنه على العكس كان يكره المنازل المصنوعة من الخشب لأنها ليست موحدة الأشكال. كتب جيرار معترفا لأبيه في أحدى رسائله أنّ من بين أسباب قيامه بهذه الرحلة للقسطنطينية هو التأكيد للناس عامة أنه لم يكن إلا ضحية حالة مرضية معزولة منذ سنين و أن الأمر لا يتعلق بجنون أو هذيان، و أن عليه أن ينسى الآن تلك التجربة إلى الأبد. يضيف جيرار في رسالته: (... إن الأمر الــذي يحزنــني و يقلقني هو فراقي لك يل أبي لمدة طويلة. أنت الأب الوحيد و الصديق الحقيقي الوحيد... إنني أُحس دائما بالحاجة للرجوع للعش كلما ابتعدت عنه. أحس بالندم و الحسرة على مغادرتك). غير أن الرسالة الأكثر غرابة هي تلك التي كتبها جيرار لصديقه تيوفيل غوتييه يهنّئه فيها بعدم قيامه بأي سفر طوال حياته: ( ليست الثروة هي ما أبحث عنه، أنا أبحث عن المثال، عن اللون، عن الشعر، بل ربما عن الحب، كل هذا يتاح لك و لا يتاح لي أنا اللاهث الأبدي... إنني أفقد نصف الكون كلما انتقلت من مملكة إلى أخرى و من إقليم إلى آخر. و قريبا جدا سأختار الوجهة التي سألوذ إليها بأحلامي... أنت لازلت تعتقد في إيبس و لوتيس الأرجوانية، في النيل الأصفر، أنت تعتقد في نخيل الزُّمُرُّدْ... و ربما في الجمال... يا أسفي إيبّس عصفور وحشي، و لوتيس بصلة رديئة، و النيل ماؤه أصهب و انعكاساته تشبه الإردواز... ). عنــدما عاد جيرار من الشرق قــام بتصمــيم مطبعة أطلــق عليها اســم ( Stéréographe ) تعبيرا عن شغفه بعالم الطباعة. لكن التصميم ظل بعيدا عن التطبيق و غير ذي أهمية تذكر. في نفس الوقت كان يدون أفكارا عن الرحلة الشرقية. و من جديد سيحمل جيرار حقائبه متجها إلى هولاندا ثم بلجيكا بصحبة أرسن هوساي. كتب أيضا عدة صفحات من عمــــله سيلفيSylvie و تجــــوال و ذكريات. عام 1848 استقر جيرار بشارع Saint Thomas Du Louvre و هناك أجمل أيامه. لم يعرف عنه مشاركته في الثورة غير أن علاقته و صداقاته تشي بأفكاره الليبرالية. كما لوحظ ميوله نحو الأعمال المسرحية التي تحتوي على إشارات منتقدة للاشتراكيين. رغم جده و مثابرته في عمله المسرحي فإن النجاح كان متوسطا: " عربة الطفل " ، " مصور هارلم " ، " مواطنو الجبل الأسود ". أما حالته الصحية فقد عرف نرفال أزمات صحية بالقدر الذي كان ينتج به أعماله المسرحية، أي بمعنى أزمة صحية و مسرحية في كل سنة. في سنة 1851 سيدخل مرة أخرى إلى المصحة و هذه المرة عند الدكتور إيميل بلونش في باسي. خرج منها بعد إقامة طويلة نسبيا. لقد عرف نرفال انتكاسات و أزمات صحية و روحية مابين سنتي 1851 و1855، و رغم ذلك فإن هذه الفترة شهدت ميلاد أجمل أعماله: سيلفي، بنات النار، الأوهام، أوريليا. بعد تراجعه عن رحلة مقرَّرة للشرق، قام بسفره الأخير لألمانيا سنة 1854 على نفقة وزارة التربية العامة. و تحت دوافع روحية و نفسية حجَّ جيرار إلى منطقة كْلُوكُو و سيليزيا، حيث يرقد جثمان أمه منذ نصف قرن تقريبا. وجه الأم يتماهى مع وجه أوريليا التي دونها التاريخ في سجلاته الذهبية. و نتيجة لحالة عدم الاستقرار النفسي و الروي و اللهاث وراء المجهول، بدأ جيرار يكتب لأصدقائه رسائل مليئة بالحيرة، لقد بدأت أزهار الجنون تتفتح. في إحدى رسائله المؤرخة ب 31 ماي 1854 و المكتوبة بأسلوب و نفس يمزق القلب و التي تصل إلى المعني بها: ( لقد غادرتك أكثر حزنا، رغم الابتسامة البادية على وجهي. لست في السن التي تسمح لي بالبكاء سريعا و لكن عندما أخلو بنفسي و أنعزل في بيتي تنبع الدموع من قلبي، لكي أخفي عنك ذلك. سيتَّحد هذا الاسم الذي اخترته لنفسي مع قلبك في جوّ من الزهو و الفرح، و هذا ما يجعلني واثقا بالمستقبل). مرة أخرى يدخل جيرار للمستشفى. فبتاريخ غشت 1854 أدخل عيادة الدكتور لو بلونش بلحية سوداء و جبين شاحب و نظرة حزينة و ثابتة. و بتاريخ 19 اكتوبر من نفس السنة أنهى إقامته بالمستشف رغم تحذيرات الطبيب له بعدم قدرته على مواجهة العزلة و الوحدة. " أنا وحيد " هذا ما قاله جيرار دو نرفال، ألم يكن له أب، أبناء عم، أصدقاء، عمات، علاقات؟ لم يكن الطبيب لو بلونش ليثق بما يقوله جيرار، كان يكتفي بتحريك رأسه دون أن يرد عليه لأنه كان أدرى بالحالة التي يوجد فيها مريضه، بل حالة أي مريض يعاني من نفس مرض جيرار. و بعد أخذ و رد وافق الطبيب لو بلونش على خروج نرفال من المصحة بضمانة عمته جين آن لابروني، التي التزمت بإيوائه لغاية تمكنه من الحصول على منزل. الطبي لو بلونش لم يكن مخطئا في حكمه على مريضه، بعدما لاحظه من اضطراب و لاعقلانية في تصرفاته و سلوكاته. ( ما هي حدود العقلانية و الجنون في سلوكنا اليومي، بل من هو المجنون و من هو العاقل؟؟؟ المترجم).ازدادت حالة جيرار النفسية تدهورا، حيث بدأ أصدقاؤه يغادرونه الواحد تلو الآخر، بل اكتفوا بالتندر بما كان يهذي من كلمات غريبة. و عوض أن يستقر في بيت عمته التي التزمت باستضافته، و استقر بغرفة متواضعة في فندق رديء و اكتفى بتناول العشاء عند عمته. كان جيرار يشعر بالخجل من الحالة النفسية و الصحية و المادية التي و صل إليها. لذلك كان يخرج ليلا و حيدا للتجول في الشوارع متجنّبا الأماكن المزدحمة و حيث يحتمل أن يلتقي بمن يعرفونه. كان يكتفي بالتجول في شوارع حيّيْ الهَالْ Halles و شَاتيلي Chatellet، ما بين نهر السّين و شارع رومبيتو Rambuteau. أفلس جيرار و لم يعد يملك فرنكا واحدا، لكنه لم يكن يقبل أن يمد يده لأحد أو مساعدة أحد له. بل وصل به الحد إلى بيع معطفه. كان يذهب إلى المقاهي الحي البئيسة محاولا دون جدوى أن يتدفأ من برد باريس القارس. يشرب نبيذا أحمرا من النوع الرخيص. ها قد حل الربيع الأكثر برودة منذ مدة طويلة، اليوم هو 25 يناير 1855، درجة الحرارة انخفضت حتى 18 درجة تحت الصفر. غادر جيرار غرفته بالفندق تاركا أغراضه الشخصية داخلها لأنه لم يكن يملك أجرة الفندق.سار جيرار وحيدا في الشارع مخترقا برد باريس الشديد، و هو يفكر في ارسن هوساي الذي التقاه بمناسبة تعيينه مديرا " للمسرح الفرنسي ". كان أرسن يعيش نشوة الفرح و لم يولي صديق في البوهمية أي اهتمام. عظامه تصْطَّك من البرد و في رأسه كانت تتوهج جمرات النار و اليأس. و جيرار في جيبه خيطا سميكا كانت عمَّته تستعمله لشدّ سترة المطبخ حول خصرها فاختلسه منها. فجأة صعد فوق دُرْج تحت نافذة مشبَّكة بقضبان حديدية. أخرج الخيط من جيبه و عقده حول أحد القضبان، ثم ربطه حول عنقه و دون أن يتخلص من قبعته... ترك جسده ينزلق... في الصباح مرَّتْ سيدة بالزقاق فشاهدته يتهدهد معلقا، لكنها اعتقدت بأن الأمر يتعلق بسكير مثقل بالنوم يتكئ على الحائط. كان جامدا من البرد. لم يترك أي أثر حول فعلته، سوى رسالة قصيرة تركها لعمَّته قبل البارحة دوَّن فيها ما يلي: ( لا تنتظريني هذا المساء، فالليل أبيض و أسود ).
* ترجمة أحمد هلالي بتصرف عن مجلة Les grands écrivains ـ العدد 33. أعمال جيرار دو نرفال : 1851: سفر إلى الشرق. 1852: ليالي أكتوبر. (حكايات و دعابات ). 1853: قصور البوهمية الصغيرة. 1854: بنات النار. 1855: جولات و ذكريات ـ أوريليا. 1826: المراثي الوطنية. 1853: الأكاديمية ـ الأعضاء الضالة. 1854 : الأوهام. 1877 : أشعار كاملة. 1831 : أمير الأغبياء. 1837 : بيكييو Péquillo ( بالتعاون مع الكساندر داماس). 1839: لير بوكار.( بالتعاون مع الكساندر داماس). الكيميائي. 1849: مواطنو مونتينيكرو. 1850: عربة الأطفال. 1852: مصور هارلم.
1 ـ نابليون بونابرت: ( 1769 ـ 1821 ) إمبراطور فرنسي حكم ما بين1804 و 1815. أحرز عدة انتصارات فازدادت شهرته خصوصا في تولون بإيطاليا و مصر. أعاد السلم الداخلي لفرنسا. وصلت الإمبراطورية في عهده إلى أقصى نقطة توسعها. انهزم في معركة واترلو فنُفي إلى سانت هيلين 1815. 2 ـ تربية جيرار على يد مربية و بعيدا عن أمه حرمه من حنان الأم و جعله يعاني من هذا النقص. 3 ـ Valois: منطقة فرنسية ومسقط رأس جيرار دو نرفال. 4 ـ سيليزيا : منطقة في بولونيا شهدت معارك في عهد نابليون. 5 ـ la modestie : لوحة فنية تعود للقرن السابع عشر تمثل بورتريه لامرأة فاتنة و يقول جيرار أن أمه تشبهها. 6 ـ الجينيالوجيا: علم يبحث في أصول العائلات، و المقصود شجرة عائلة نرفال التي قام برسمها بنفسه. 8 ـ تيوفيل غوتييه: أديب فرني و أقرب أصدقاء نرفال ( 1872 ـ 1811). 7 ـ مورت فونتين: منطقة بباريس. 9 ـ Les élégies nationales : مجموعة شعرية أصدرها جيرار عندما كان عمره 18 سنة و هي أول كتاب له 1826. 10 ـ غوته: كاتب ألماني ( 1749 ـ 1832 ) ومن أشهر أعماله آلام فرتر و فاوست التي ترجمها جيرار. 11 ـ فيكتور هيغو: شاعر فرنسي و نائب برلماني و سياسي بارز من أشهر أعماله رواية البؤساء. 12 ـ السوبرانو: هو نوع من الأصوات و أكثرها علوا عند النساء و الشبان. و يطلق الاسم على المغنية التي تمتاز بهذا الصوت. و المقصود هنا الممثلة جيني كولون. 13 ـ Rubens: فنان تشكيلي فلاماني صاحب عدة لوحات و أعمال شهيرة: هبوط المسيح ـ اختطاف فتيات لوسيب. 14 ـ La Louvre : قصر ملكي فرنسي قديم يعود لسنة 1204، تم تحويله إلى متحف و هو اليوم من أشهر المتاحف العالمية يضم عجائب الفنون الفرنسية و العلمية . 15 ـ Alexandre Damus : كاتب فرنسي ( 1870 ـ 1802 ) اشترك مع جيرار في عدد من المسرحيات. ـ Louis Philipe-16 : ملك فرنسي حكم ما بين ثورة 1830 و ثورة 1848.
الخميس, 21 سبتمبر, 2006
* ترجمة : أحمد هلالي
الأعمال النثرية:
الأعمال الشعرية:
الأعمال المسرحية :
الهوامش:
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية









من المغرب
اخي الفاضل:
زرت بوحك الجميل هذا الصباح وتجولت بين جنانه الفواحة،لدي عودة اليه بحول الله...شكرا لك ودمت متالقا..
محمد عماري/المغرب