" إنني أومن بالتلميح فقط." " المعنى ليس مهما : فالمهم هو بعض الموسيقى و طريقة معينة في قول الأشياء" بورخيص. الكتابة الفعل الأكثر مدعاة للتساؤل. بل الفعل الأكثر إغراقا في الترف و التفاهة و اللاجدوى. ما الذي يجنيه الكاتب من الكتابة؟ ما دلالة هذا الفعل، أليس النجار الذي يصنع في آخر اليوم كرسيا و الخباز الذي يجهز للجائعين خبزا بأفضل حال من الكاتب الذي يقضي ليلته صحبة الكلمات دون جدوى؟ لماذا نكتب إذن؟ نكتب لتَسْمِيرِ اللحظة زمانيا "Immortaliser". نكتب معناه أن نلتقط صورة شخصية "للزمن" في مختلف تقلباته اليومية. و يبقى هذا الفعل: الكتابة/التصوير رهينا لتنويعاتنا الأسلوبية و اللغوية. كما أن صدق الصورة تُقوِّيهِ فلسفتنا و قدرتنا على تضمينها الجرعة اللازمة من الحياة. أليست الكتابة تلك العصا السحرية التي نهش بها ما استطعنا ذباب الزمن الذي ينهش أرواحنا دون هوادة؟ لربما كان الجواب كذلك. آه ..."النسيان"... هذا من دواعي الكتابة. نكتب لنتخلص من الكابوس، كابوس أن نصير في عداد المجهول، نكتب كي نصير أَحْجَمَ من ثقب مصفاة التاريخ، كي نظل هاهنا في عينه التي لا ترى الدقيق منا. نكتب أيضا بدافع الخوف... الخوف من الانمحاء، من الموت، من المجهول... الكتابة تتحقق لدي بالحركة و تنتفي بالاستقرار. حركة العالم في النفس و حركة النفس في الجسد و حركة الجسد في الكون. هذا هو المعنى الذي وجدتني أميل إليه في تفاصيل وجوديتي. الاستقرار يعني الموت و الراحة كذلك. نموت حين نستقر. ننتهي حينما يسيطر علينا وهم أننا قد و صلنا. في الكتابة ليس هناك وصول أي ليس هناك استقرار، هناك حركة دائمة و دءوبة وقودها الأسئلة و الحبر. ثمة دائمة سعي النفس نحو المجهول، نحو فرص أفضل للمفاجئة، للفرح و الارتماء في أحضان الوهج الذي لا ينطفئ. لماذا التجأ الإنسان إلى الكتابة؟ ربما ليَخْلُدَ ... ليدوم ها هنا في شاشة التاريخ. الجميع يطرح هذا السؤال: لماذا نكتب؟ صارالسؤال تقليديا و الجواب عنه أكثر تقليديةً. أن نكتب، هذه حاجة إنسانية، بل حاجة تتعلق بوجوديته و كينونته. فعل "الكتابة" أشد ارتباطا بالأسئلة و الجدل الدائرة رحاهما في خوالج المبدع. الإنسان كائن ذو طبيعة هشة كما يقال. إنه هش تدفع به مسْلَكيَّاته في الحياة إلى التماس مع أنداده و الأشياء التي تحيط به. للمكتوب سحر في عين من تربَّت ذائقته على التقاط الحسي و الفني و الجمالي في تفاصيل الحياة. و للُّغة سحر أبلغ على ما يختلج في أعماقنا حينما نعمل على تخريجه من أبعاده الهلامية المنفلتة و المائعة إلى صيغة المكتوب المحسوس... الكتابة شكل آخر و نمط من أنماط أبتكرها الإنسان سعيا منه لاحتواء العالم. الكتابة تعارف بين الذات و أشياء العالم المحيطة بها. هي ما يتبقى بعد مرور الخيل سريعةَ فوق رمل الصحراء. هي أثر مرور طائر البجع فوق سطح الماء. هي أثر صدمتنا بالعالم بناسه و أشجاره و أصواته و أضوائه ... لكن لمن نترك هذا الأثر؟ لمن نسوِّد هذا البياض؟ نكتب كي نكون.
الاثنين, 31 ديسمبر, 2007
نَكْتُبْ كَيْ نَكُونْ
بقلم : أحمد هلالي
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية








